محمد أبو زهرة

3938

زهرة التفاسير

بشر ، وأولئك الملائكة الأبرار يقولون ما يملأ نفوسهم بالأمن والبشر والاطمئنان ؛ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ . . . ( 44 ) [ الأحزاب ] وهذا يتضمن معنى الإيناس بإقراء السلام ، فإقراء السلام في ذاته إيناس ، وفيه مع ذلك بث الاطمئنان وطيب الإقامة ، وذلك بسبب الصبر ، أي بسبب صبركم في الجهاد ، وصبركم على الطاعات وتجنب الشهوات ، وصبركم على تحمل المكاره ، وصبركم على البعد عن الأحبة ، وقد روى عبد اللّه بن عمر ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق اللّه ؟ » ، قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « المجاهدون الذين تسد بهم الثغور ، وتتقى بهم النار ، فيموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء ، فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار » « 1 » . ولقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يأتي على قبور الشهداء كل حول فيقول : « السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار » « 2 » ، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك ، ولم يذكر عليّ مع أنه بطل الجهاد الأول بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أعرف الناس بعد الرسول بحق الجهاد وهو القائل : ( الجهاد باب من أبواب الجنة ) . وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الجهاد ماض إلى يوم القيامة » « 3 » ، وإن المسلمين هانوا على أنفسهم يوم بث أعداؤهم التخاذل عن الجهاد ، فأطاعوهم ، فخذلهم اللّه تعالى ، ولا تزال تطلع على المتخاذلين من المسلمين عن الجهاد ، فقد ساروا وراء أذيال النعم ، وصاروا عاملين لأعدائهم يقدمون لهم أسباب المال الذي يستخدمونه ضدهم . ثم بين سبحانه أن هذا الجزاء هو خير الجزاء ، فقال : فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ . الفاء للإفصاح ، أي إذا كان ذلك هو العقبى والنتيجة ، فنعم هذه العقبى ، وتلك النهاية .

--> ( 1 ) سبق قريبا . ( 2 ) انظر ما جاء في البداية والنهاية - ج 4 / 218 . ( 3 ) رواه أبو داود : في الغزو مع أئمة الجور ( 2170 ) .